ملا محمد مهدي النراقي

237

انيس المجتهدين في علم الأصول

وهنا وجوه أخر من الأدلّة « 1 » تركناها ؛ لعدم تماميّتها . واحتجّ الخصم : بوجوه ضعيفة عمدتها وجهان : أوّلهما : قوله تعالى : وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ « 2 » و إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً « 3 » ، ونحو ذلك من الآيات « 4 » الدالّة على ذمّ اتّباع الظنّ . ولا ريب أنّ خبر الواحد لا يفيد إلّا الظنّ ، فلا يجوز اتّباعه « 5 » . وجوابه : أنّ ظنّ المجتهد من أخبار الآحاد وسائر الأدلّة مخصّص بالإجماع ، كما عرفت « 6 » مرارا . على أنّ الظاهر من الظنّ في آيات الذمّ اختصاصه بالظنّ في الأصول ؛ لأنّها وردت ذمّا للكفّار ، وهذا يتأتّى في آية النهي « 7 » أيضا . وأجاب بعضهم « 8 » : بالانتقاض بوجوب العمل بالظنّ في تفاصيل المجملات « 9 » التي علم وجوبها عقلا من الأمور الدنيويّة ، كخبر العدل في كون أسد على الطريق ، أو مضرّة شيء معيّن ، أو انكسار جدار مشرف على الانهدام ؛ فإنّه لمّا وجب عقلا اجتناب المضارّ إجمالا ، وجب عقلا اجتناب تفاصيله كالأمور المذكورة ، ويجب العمل بالظنّ فيها ، ولذا لو لم يحترز عنها بخبر واحد يذمّه العقلاء . أقول : بعض من قال بوجوب العمل بخبر الواحد عقلا احتجّ به عليه ، وقال : قد بعث النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لجلب المنافع ودفع المضارّ ، ومضامين أخبار الآحاد تفاصيل لهما ، وهي تفيد الظنّ ؛ فيجب العمل بها ، كما يجب به في الأمور المذكورة « 10 » .

--> ( 1 ) . راجع : الذريعة إلى أصول الشريعة 2 : 531 - 534 ، والإحكام في أصول الأحكام 2 : 71 . ( 2 ) . الإسراء ( 17 ) : 36 . ( 3 ) . النجم ( 53 ) : 28 . ( 4 ) . منها : قوله تعالى : وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ، البقرة ( 2 ) : 169 . ( 5 ) . حكاه العلّامة في نهاية الوصول إلى علم الأصول 3 : 411 - 413 . ( 6 ) . في ص 32 . ( 7 ) . وهي قوله تعالى : وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ، الإسراء ( 17 ) : 36 . ( 8 ) . لعلّ المراد بهذا البعض هم : البصري في المعتمد 2 : 106 و 107 ، وابن الحاجب في منتهى الوصول : 76 ، والقاضي عضد الدين في شرح مختصر المنتهى 1 : 163 . ( 9 ) . أي مصاديق القواعد العقليّة . ( 10 ) . قاله البصري في المعتمد 2 : 107 .